أبي حيان الأندلسي
416
البحر المحيط في التفسير
الدينية ، فنهى عن نكاح من لم تكن فيه هذه الأخوة ، واندرج يتامى الكفار في عموم من أشرك . ومناسبة أخرى : أنه لما تقدم حكم الشرب في الخمر ، والأكل في الميسر ، وذكر حكم المنكح ، فكما حرم الخمر من المشروبات ، وما يجر إليه الميسر من المأكولات ، حرّم المشركات من المنكوحات . وقرأ الجمهور : ولا تنكحوا ، بفتح التاء من نكح ، وهو يطلق بمعنى العقد ، وبمعنى الوطء بملك وغيره ؛ وقرأ الأعمش : ولا تنكحوا بضم التاء من انكح ، أي : ولا تنكحوا أنفسكم المشركات . والمشركات هنا : الكفار فتدخل الكتابيات ، ومن جعل مع اللّه إلها آخر ، وقيل : لا تدخل الكتابيات ، والصحيح دخولهنّ لعبادة اليهود عزيزا ، والنصارى عيسى ، ولقوله : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ * « 1 » وهذا القول الثاني هو قول جل المفسرين . وقيل : المراد مشركات العرب ، قاله قتادة . فعلى قول من قال : إنه تدخل فيهنّ الكتابيات ، يحتاج إلى مجوّز نكاحهنّ فروي عن ابن عباس أنه عموم نسخ ، وعن مجاهد عموم خص منه الكتابيات ، وروي عن ابن عباس : أن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات ، وكل من على غير دين الإسلام ، ونكاحهنّ حرام . والآية محكمة على هذا ، ناسخة لآية المائدة . وآية المائدة متقدمة في النزول على هذه الآية ، وإن كانت متأخرة في التلاوة ، ويؤكد هذا قول ابن عمر في ( الموطأ ) : ولا أعلم إشراكا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى . وروي أن طلحة بن عبيد اللّه نكح يهودية ، وان حذيفة نكح نصرانية ، وان عمر غضب عليهما غضبا شديدا حتى همّ أن يسطو عليهما ، وتزوّج عثمان نائلة بنت الفرافصة ، وكانت نصرانية . ويجوز نكاح الكتابيات ، قال جمهور الصحابة والتابعين ، عمر ، وعثمان ، وجابر ، وطلحة ، وحذيفة ، وعطاء ، وابن المسيب ، والحسن ، وطاوس ، وابن جبير ، والزهري ، وبه قال الشافعي : وعامة أهل المدينة والكوفة ، قيل : أجمع علماء الأمصار على جواز
--> ( 1 ) سورة يونس : 10 / 18 . والنحل : 16 / 1 ، والروم : 30 / 40 ؛ والزمر : 39 / 67 .